مكتبة أبي حمود العلمية

Translate

شرح كتاب الصيام من عمدة الفقه لابن قدامة - الدرس الثالث . . .

بسم الله الرحمن الرحيم

    إنَّ الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّمَ تسليماً كثيراً.

    يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٠٢(١)،يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا ١(٢)،يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا ٧٠ يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا ٧١(٣)، أمَّا بعد:

    فإنَّ أصدقَ الحديث كتابُ الله، وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار.

    وها نحن مع الدرس الثالث من سلسلة شرح كتاب الصيام من متن عمدة الفقه للإمام موفق الدين بن قدامة المقدسي رحمه الله، وكنا قد توقفنا عند قوله رحمه الله:


    [بالغ عاقل قادر على الصيام][١]ا.هـ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    [١] البلوغ يُعرَفُ بأماراتٍ كثيرة، منها الاحتلام، وخروج شعر العانة، فمن بلغ فقد وجبَ عليه الصيام، فلا يجب الصوم على الصبي المميز، لكن صومه صحيح إذا صام، ويُرَغَّبُ فيه لسبع إن أطاقه. ومنهم من يرى ضربه إذا تركه قياساً على الصلاة وهو قياسٌ ليس له ما يعضده.

    ومن بلغت في نهار رمضان بحيض فقد جرى عليها قلم التكليف، فإنَّها تحصي أيام عادتها، فإن طهرت وتطهرت وجب عليها الصيام، وتقضي أيام حيضها من أيامٍ أخر. وأمَّا ما كان من أيام قبل حيضها فإنَّها غير مكلفة بها.

    وكذلك الكافر إن أسلم؛ لزمه صيام ما واجه من أيام بعد إسلامه، ولا يسأل عمَّا فاته قبل إسلامه، لقوله تبارك وتعالى: قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِن يَنتَهُواْ يُغۡفَرۡ لَهُم مَّا قَدۡ سَلَفَ وَإِن يَعُودُواْفَقَدۡ مَضَتۡ سُنَّتُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٣٨(٤). والمرتد عياذاً بالله لو رجع وتاب قضى اليوم الذي ارتد به.

    وأمَّا العقل فهو مناط التكليف، فلا يجب على من فقد عقله؛ كالمجنون، فإن كان جُنَّ بعد ما نوى الصيام، ثُمَّ صحى من جنونه قبل الوقت فأفطر على الأذان فصيامه صحيح إن شاء الله. وهل يلزمه تجديد النية؛ فيه خلاف بين أهل العلم. وإن استمر جنونه حتى خرج رمضان فلا قضاء عليه.

    والمغمى عليه كالمجنون، إن كان نوى الصيام وأغمي عليه قبل الفجر وأفاق قبل الغروب ولو بلحظات فأفطر على الأذان فصيامه صحيح. والسكران حتى يفيق. فإن أفاق في نهار رمضان وجب عليه الإمساك ويقضي ذلك اليوم. فإذا ظفر به وليُّ الأمر فله تعزيره.

    لما روى علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلَّمَ قال: [رُفِعَ القلم عن ثلاثة؛ عن النائم حتى يستيقظ، والصبيُّ حتى يحتلِمَ، والمجنون حتى يَعقِل].

    وأمَّا القدرة على الصيام؛ فمعناه أن يصوم الشهر دون مشقة تلحقه جَرَّاء الصيام.

    ولهذا الأمر تفصيلٌ يجب على المسلم معرفته، وهو كما يلي:

    أولاً: قد يكون العبد هَرِماً وهو الذي بلغ الهذيان وسقط تمييزه؛ فلا يجب عليه الصيام ولا الإطعام عنه؛ لسقوط التكليف عنه بزوال تمييزه فأشبه الصبيَّ قبل التمييز.

    ثانياً: قد يكون العبد عاجزاً عن الصيام عجزاً مستمراً لا يُرجى زواله؛ كالكبير والمريض مرضاً لا يُرجى برؤه كالمصاب بالسرطان ونحوه من الأدواء العضال؛ فلا يجب عليه الصيام لأنَّه لا يستطيعه، وقد قال الله تبارك وتعالى: فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ(٥)، وقال: لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ(٦). لكن يجب عليه أن يُطعِمَ بدل الصيام عن كلِّ يومٍ مسكيناً، لأنَّ الله تبارك وتعالى جعل الإطعام معادلاً للصيام أولَ ما فُرِضَ صيامُ رمضان، فتَعَيَّنَ أن يكون بدلاً عن الصيام عند العجز عنه لأنَّه معادله.

    ثالثاً: المريضُ الذي يُرجى برؤُ مرضه؛ وله ثلاثُ حالات:

    إحداها: أن لا يشق عليه الصيام ولا يضره؛ فيجب عليه الصيامُ.

    ثانيها: أن يشق عليه الصيامُ ولا يضره؛ فهذا يفطر ويقضي من أيامٍ أُخَر، لقوله تبارك وتعالى: وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ(٧)، ويُكره له الصوم مع المشقة.

    ثالثها: أن يضرَّه الصيام؛ فيجب عليه الفطر، ويحرمُ عليه الصيام في هذه الحال، لقوله تبارك وتعالى: وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا ٢٩(٨).

    رابعاً: المرأة إذا كانت مرضعاً أو حاملاً وخافت على نفسها أو على ولدها أو جنينها من الصيام فإنَّها تفطر وتقضي من أيام أخر، لحديث أنس بن مالكٍ الكعبي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إنَّ الله وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن المسافر والحامل والمرضع الصوم أو الصيام](٩).

    خامساً: المسافر إذا لم يقصد بسفره التحيُّلَ على الفطر، فإن قصدَ ذلك كما يفعل سفهاء الرافضة وجهلاؤهم؛ فالفطر عليه حرام بل ويأثمُ، لأنَّه قصد التحايل على شرع تبارك وتعالى متشبهاً بهذا بصنيع أصحاب القرية من بني إسرائيل حين حرَّم الله عليهم الصيد يوم سبتهم، وكذلك حين حرَّمَ الله على بني إسرائيل الشحم فجملوه وباعوه دهناً وأكلوا ثمنه.

    فإن لم يقصد التحايل؛ أي كان سفره سفر مصلحةٍ يقضيها أو سفر طاعة؛ فهو مُخيَّرٌ بين الصيام والفطر، سواءٌ طالت مدة سفره أم قصُرَت، وسواءٌ كان سفره طارئاً أم مستمراً يعني بصفة متكررة، كسائقي الشاحنات والطائرات والقطارات وما إلى ذلك من مراكب البر والبحر والجو؛ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ(١٠).

    نقف على هذا القدر؛ وصلى الله وسلَّم وبارك على نبينا محمد؛ وعلى آله وصحبه أجمعين.

كتبه راجي عفو ربه القدير

أبو حمود هادي محجب


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) [آل عمران:١٠٢].

(٢) [النساء:١].

(٣) [الأحزاب:٧٠-٧١].

(٤) [الأنفال:٣٨].

(٥) [التغابن:٢١].

(٦) [البقرة:٢٨٦].

(٧) [البقرة:١٨٥].

(٨) [النساء:٢٩].

(٩) أخرجه الخمسة.

(١٠) سبق عزوها (٧).



روابط هذه التدوينة قابلة للنسخ واللصق
URL
HTML
BBCode

0 التعليقات:

المقالات

   البلاغة العربية نشأتها وصلتها بعلوم الشريعة والعربية    همسة في صماخ الأستاذ علي حملي    إشباع النهم ببيان أقسام تعلق الكلم    الشيخ محمد أيوب رحمه الله سيرة وعطاء    التوحيد هو أعظم الأمور وأهمها    البيان والارتجال في الخطابة والوعظ والمقال    العلم الشرعي وأثره في حياة سلفنا الصالح    الأخوة الإيمانية عند حسام العدني    دولة فاحش والحرب على الإسلام بالوكالة وتفجيرات باريس


زوار المكتبة

Flag Counter

التصفح المباشر

مواقع سلفية

   مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية