شرح كتاب الصيام من عمدة الفقه لابن قدامة - الدرس الرابع . . .
إنَّ الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضلَّ له ، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله؛ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّمَ تسليماً كثيراً.
⦕يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٠٢⦖(١)، ⦕يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا ١⦖(٢)، ⦕يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا ٧٠ يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥفَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا ٧١⦖(٣)، أمَّا بعد:
فإنَّ أصدقَ الحديث كتاب الله، وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار.
وها نحن مع الدرس الرابع من سلسلة شرح كتاب الصيام من عمدة الفقه؛ للإمام موفق الدين بن قدامة المقدسي رحمه الله، وكنا قد توقفنا عند قوله رحمه الله:
[ويؤمرُ به الصبيُّ إذا أطاقه][١]ا.هـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[١] سبق وأن بينا في الدرس السابق أنَّ الصبِيَّ المميز لا يجب عليه الصيامُ إلزاماً، وإنَّما يرغبه فيه وليه ترغيباً إن أطاقه لا سيما من بلغ السابعة وكان مطيقاً له.
وأمَّا قوله المصنف رحمه الله: [ويؤمر به]؛ المراد بالأمر هنا الحث والترغيب، حتى يتمرن على الصيام، فإذا كبر وبلغ أمِرَ به على وجه التكليف.
ثم قال رحمه الله:
[ويجب بأحد ثلاثة أشياء: كمال شعبان، ورؤية هلال رمضان، ووجود غيم، أو قتر ليلة الثلاثين يحول دونه][٢]ا.هـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[٢] هنا شرع المصنف رحمه الله في ذكر أسباب صيام شهر رمضان، فذكر أولاً: كمال شهر شعبان، وكماله ثلاثون يوماً لا يُزاد على ذلك شيئاً. فإن تمَّ شهر شعبان ثلاثين يوماً فقد دخل شهر رمضان بعده مباشرة.
وثانياً: رؤية هلال رمضان، وإن كان شهر شعبان تسعةً وعشرين يوماً، لقوله تبارك وتعالى: ⦕فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ⦖(٤)، ولقوله صلى الله عليه وسلم: [صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُبِّيَ عليكم فأتموا عدَّةَ شعبان ثلاثين](٥)، أي أتمُّوا شهر شعبان ثلاثين يوماً، وفي رواية: [فاقدروا له](٦) أي ضيقوا له بمعنى يكون تسعةً وعشرين يوماً، وهذا القول تفسره رواية الإتمام، أي يُتَمُّ شهر شعبان ثلاثين.
وهل يُصام بحساب منازل القمر أم لا؟!، خلافٌ بين أهل العلم في هذا الزمان، والصواب والله أعلم أنَّه لا يتخذُ الحساب سبباً من أسباب الصيام أبداً، لأنَّه لو كان ذلك لأمر الشرع به وحثَّ عليه، ولكونه ليس أمراً محسوساً كرؤية الهلال فيُتَّخَذُ سبباً. بل أسباب الصيام ما جعلها الشرع أسباباً وحثَّ عليها.
وثالثاً: وجود غيمٍ أو قترٍ ليلة الثلاثين يمنع من الرؤية، والغيم هو السحاب المعروف، وأمَّا القتر فهو الغبار الكثيف الذي يمتنع معه اتضاح الرؤية، ونحو ذلك من كل أمرٍ يحول بين المسلمين ورؤية الهلال في الجو أو الأفق، كالضباب ونحوه. وهذا هو ظاهر مذهب الحنابلة روايةً عن أحمد رحمه الله، أنهم يصومونه عملاً بالأحوط. مستدلين بفعل ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه كان يأمرُ من ينظر إلى الهلال ليلة الثلاثين من شعبان فإن كان صحواً ولم يُرَ أصبح مفطراً، وإن حال دونه غيمٌ أو قترٌ أصبح صائماً(٧).
وفي الثانية عن أحمد رحمه الله أنهم يتمون، وهذا قولٌ ترتاح له النفس وهو ما عليه العمل في هذه البلاد وفقها الله، وهو الموافق للأدلة إن شاء الله.
ووُجِدَ قولٌ ثالث وهو أنَّ مرَدَّ الأمر في هذا إلى ولي الأمر وهو قولٌ مرجوح. وهذه المسألة هي من المسائل التي اشتدَّ فيها الخلاف بين أهل العلم، كما بيَّنَ ذلك فضيلة شيخنا عبد العزيز الراجحي وفقه الله.
فعلى هذا يكون قول المصنف رحمه الله: [ووجود غيم أو قترٍ] مرجوحاً بأدلة الإتمام.
نقف على هذا القدر، والله أعلمُ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه راجي عفو ربه القدير
أبو حمود هادي محجب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) [آل عمران:١٠٢].
(٢) [النساء:١].
(٣) [الأحزاب:٧٠-٧١].
(٤) [البقرة:١٨٥].
(٥) أخرجه البخاري في الصيام باب باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: [صوموا لرؤية الهلال] برقم (١٩٠٩). ومسلم برقم (١٠٨١).
(٦) أخرجه البخاري في الصيام برقم (١٩٠٠). وسلم برقم (١٠٨٠).
(٧) انظر معالم السنن لابن القيم رحمه الله في الصيام بابٌ إذا أخطأ القوم الهلال.
| روابط هذه التدوينة قابلة للنسخ واللصق | |
| URL | |
| HTML | |
| BBCode | |














0 التعليقات: