مكتبة أبي حمود العلمية

Translate

شرح كتاب الصيام من عمدة الفقه لابن قدامة - الدرس التاسع . . .

بسم الله الرحمن الرحيم

    إنَّ الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادِيَ له، وأشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.

    ⦕يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٠٢(١)، يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا ١(٢)، يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا ٧٠ يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا ٧١(٣)، أمَّا بعد:

    فإنَّ أصدقَ الحديث كتاب الله، وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار.

وها نحن مع الدرس التاسع من سلسلة شرح كتاب الصيام من متن عمدة الفقه، للإمام موفق الدين بن قدامة رحمه الله. وكنا قد توقفنا عند قوله رحمه الله:

    [وعلى سائر من أفطر القضاء لا غير، إلَّا من أفطر بجماعٍ في الفرج فإنَّه يقضي ويعتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطِع فإطعامُ ستينَ مسكيناً، فإن لم يجد سقطت عنه][١]ا.هـ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    [١] يوضح المصنف رحمه الله أنَّ على بقية المفطرين غيرِ الأصناف الأربعة الآنف ذكرهم القضاء عدة من أيام أخر دون إطعامٍ أو غيره، لقوله تبارك وتعالى: وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ(٤)، إلَّا صنفاً من المفطرين مستثنى من مسألة القضاء المطلق؛ وإنَّما هو قضاء مقيَّدٌ بكفارة مغلظة، ألا وهو من جامع زوجه بإيلاج ذكره في فرجها في نهار رمضان، فهذا يقضي اليوم الذي جامع فيه ويعتق رقبة. فإن لم يجد فصيامُ شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإنَّه يُطعِمُ ستين مسكيناً. ودليل هذا حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين وغيرهما، قال: [بينما نحن جلوسٌ عند النبي صلى الله عليه وسلم، إذ جاءه رجلٌ، فقال: يا رسول الله هلكتُ. قال: مالك، قال: وقعتُ على امرأتي في رمضان وأنا صائم، وفي رواية: أصبتُ أهلي وأنا صائم] الحديث. واختلف أهل العلم في ماهية الرقبة المعتقة، فمنهم من قال تجزئ الرقبة المؤمنة وغير المؤمنة وهم الحنفية. والجمهور على وصفها بالإيمان.

    وعند النظر في آيات الكفارات ككفارة الظهار نجد فيها إطلاقاً؛ فقال تبارك وتعالى: وَٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمۡ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مِّن قَبۡلِ أَن يَتَمَآسَّاۚ ذَٰلِكُمۡ تُوعَظُونَ بِهِۦۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ٣(٥)، وكفارة قتل المؤمن خطأً نجد فيها تقييداً؛ فقال تبارك وتعالى: وَمَن قَتَلَ مُؤۡمِنًا خَطَـٔٗا فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖ(٦). فاتفاق الحكم في الآيتين حمل الجمهور على حمل المطلق على المقيد دون النظر إلى اختلاف الأسباب. وهذا أحد آثار اختلاف الفقهاء الناتج عن الاختلاف في القواعد الأصولية. وهذا بابٌ واسع يطول بنا المقام في الكلام عنه.

    والراجح في المسألة لا شك هو قول الجمهور، والله أعلم. وعلى هذا فلو أعتق المفطر بالوقوع على أهله في نهار رمضان رقبةً غيرَ مؤمنة لم تجزئه، وإن قال البعض أنَّها تجزئ.

    وإن كان لديه الرقبة المؤمنة ولا يستطيع عتقها لحاجته إليها جاز له الانتقال إلى الصيام، واعتباره في حكم غير الواجد. ومن لم يستطع الصيام لشدة شبق ونحوه وعدم صبرٍ عن المواقعة جاز له الانتقال إلى الاطعام، وهذا قولٌ معتبرٌ عند الشافعية.

     وهل العدد مرادٌ في الإطعام لذاته، أم يكفي فيه إطعام ستة لمدة عشرة أيام كما تقول به الحنفية أو مسكيناً واحداً لمدة ستين يوماً؟!. فيه خلافٌ بين أهل العلم. فالمشهور من مذهب الحنفية هذا. وهذا عند النظر في الدليل وتحقيق القول فيه لا يكون لتحديد العدد أي مزية، وهذا يتنافى مع الحكمة في تخصيص هذا العدد بالذكر. فيبقى الأمر على ما أراده الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ستين مسكيناً.

    ومقدار الإطعام لكل مسكين هو نصف صاعٍ من غالب قوت البلد، وهو ما يعادل بمقاييسنا حالياً كيلو ونصف الكيلو احتياطاً.

    وهل على الزوجة كفارة أيضاً إذا كانت مطاوعة لزوجها أم لا؟!، غالب فتوى علمائنا أنَّ عليها كفارةٌ هي أيضاً، من ذلكم سماحة العلَّامة ابن بازٍ رحمه الله، أمَّا في حال قهرها زوجها وأرغمها على الجماع فليس عليها شيءٌ والله أعلم.

    وهل هذه الكفارة خاصة بالصيام الواجب دون النفل، أم أنَّها شاملة لجميع أنواع الصيام أم لا؟!، سيأتي الكلام عليه في باب صيام التطوع إن شاء الله تعالى.

    هذا والله أعلم، نقف على هذا القدر، وصلى الله وسلَّمَ وبارك على نبينا محمد؛ وعلى آله وصحبه أجمعين.


كتبه راجي عفو ربه القدير

أبو حمود هادي محجب


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) [آل عمران:١٠٢].

(٢) [النساء:١].

(٣) [الأحزاب:٧٠-٧١].

(٤) [البقرة:١٨٥].

(٥) [المجادلة:٣].

(٦) [النساء:٩٢].






روابط هذه التدوينة قابلة للنسخ واللصق
URL
HTML
BBCode

0 التعليقات:

المقالات

   البلاغة العربية نشأتها وصلتها بعلوم الشريعة والعربية    همسة في صماخ الأستاذ علي حملي    إشباع النهم ببيان أقسام تعلق الكلم    الشيخ محمد أيوب رحمه الله سيرة وعطاء    التوحيد هو أعظم الأمور وأهمها    البيان والارتجال في الخطابة والوعظ والمقال    العلم الشرعي وأثره في حياة سلفنا الصالح    الأخوة الإيمانية عند حسام العدني    دولة فاحش والحرب على الإسلام بالوكالة وتفجيرات باريس


زوار المكتبة

Flag Counter

التصفح المباشر

مواقع سلفية

   مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية