مكتبة أبي حمود العلمية

Translate

شرح كتاب الصيام من عمدة الفقه لابن قدامة - الدرس الثامن . . .

بسم الله الرحمن الرحيم

    إنَّ الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادِيَ له، وأشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله؛ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّمَ تسليماً كثيراً.

    يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٠٢(١)، يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا ١(٢)، يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا ٧٠ يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا ٧١(٣)، أمَّا بعد:

    فإنَّ أصدقَ الحديث كتابُ الله، وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار.

    وها نحن مع الدرس الثامن من سلسلة شرح كتاب الصيام من متن عمدة الفقه للإمام موفق الدين بن قدامة رحمه الله، وكنا قد توقفنا عند قوله رحمه الله:

    [الثاني: الحائض والنفساء تفطران وتقضيان، وإن صامتا لم يجزئهما][١]ا.هـ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    [١] وثاني أقسام من يباح لهم الفطر في رمضان هما الحائض والنفساء، فهما ليستا من أهل الصيام، فأمَّا الحائض فإنَّها تقضي ما فاتها من الصيام ولا تقضي الفوائت من الصلوات، لحديث معاذة بنت عبد الله في الصحيحين وغيرهما، قالت: [سألتُ عائشة رضي الله عنها؛ فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟!، فقالت: أحروريةٌ أنت؟!، فقلت: لستُ بحرورية؛ ولكني أسأل. فقالت: كان يصيبنا ذلك، فنُؤمرُ بقضاء الصوم ولا نؤمرُ بقضاء الصلاة](٤).

    وفي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه المتفق عليه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: [أليس إذا حاضت لم تُصَلِّ ولم تَصُم](٥).

    وأمَّا النفساء فكذلك لا تصوم حال نفاسها وتقضي ما فاتها، لاشتراكها مع الحائض في علة المنع.

    فإن صامت الحائض في مدة حيضها، والنفساء في مدة نفاسها، لم يصح صيامهما، ولم يجزئهما هذا الصيام، ويلزمهما القضاء عدة من أيامٍ أخر.

    وهل للمرأة أن تتعاطى عقاقير تؤخر عنها دورة حيضها أم لا، الظاهر أنَّه يجوز لها ذلك إذا استشارت طبيبة وأخبرتها بأنَّه لا ضرر عليها بذلك جاز لها في أيام الصيام أو الحج والعمرة، وصلاتها وصيامها صحيح بإذن الله.


    ثم قال رحمه الله:

    [الثالث: الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أفطرتا وقضتا، وإن خافتا على ولديهما أفطرتا وقضتا، وأطعمتا عن كل يوم مسكيناً][٢]ا.هـ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    [٢] وثالث هؤلاء الأقسام الأربعة هما الحامل والمرضع إذا خشيتا الضرر على أنفسهما فإنَّ لهما في هذه الحال الفطر وقضاء ذلك عدة من أيامٍ أخر.

    لحديث أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: [إنَّ الله عزَّ وجلَّ وضع عن المسافر شطر الصلاة؛ والصيام، وعن الحامل والمرضع](٦) أخرجه الأربعة وصححه الألباني.

    وإن كان مبعثُ خوفهما على ولديهما؛ فجاز لهما الفطر مع القضاء عدة من أيام أخر. واختلف الفقهاء هل يطعمان في هذه الحالة عن كل يوم مسكينا أم لا؟!، فعند الحنابلة الإطعام عن كل يومٍ أفطرتاه يطعمان. وظاهر الأمر أنَّهما لا يلزمهما الإطعام.

    ومسألة الإطعام من عدمها مسألة خلافية بين أهل العلم، منهم من قال بالفدية أي الإطعام ولهما أن يفطرا، لاحتمالية تكرر الحمل مع احتمالية تكرر رمضان أي تتابعه عليهما مع الحمل ولم تتمكنا من قضاء ما فاتهما من رمضان السابق، فلا يكون لديهما فرصة للقضاء. قاله ابن عباسٍ وابن عمر رضي الله عنهم، ولحقهما عليه جماعة من السلف.

    والقول الثاني أنهما ينزلان منزلة المريض، فيفطران ويقضيان عدة من أيامٍ أخر. وهذا هو القول الأرجح إن شاء الله. وهو ما عليه فتوى سماحة العلامة ابن بازٍ رحمه الله، وهو ما يوافق الدليل. لحديث أنس بن مالكٍ الكعبي المتقدم معنا؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [إنَّ الله عزَّ وجلَّ وضع عن المسافر شطر الصلاة؛ والصوم، وعن الحامل والمرضع الصوم](٧).

    فتبين من هذا أن الحامل والمرضع يقاس حالهما على حال المسافر والمريض، فيفطران ويقضيان عدة من أيامٍ أخر، ولا فدية عليهما أبداً، والله أعلم.


    ثم قال رحمه الله:

[الرابع: العاجز عن الصيام لكبر أو مرضٍ لا يرجى برؤه، فإنَّه يُطعم عن كلِّ يومٍ مسكيناً][٣]ا.هـ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[٣] ورابع الأقسام الذين جاز لهم الفطر في رمضان هو من عجز عن الصيام لكِبَرٍ بلغ به مبلغ العجز عن تحمُّلِ صيام رمضان، أو مرضٍ لا يرجى برؤه وأسلمه إلى ملازمة السرير؛ فهذا جاز له الفطر أخذاً بالرخصة من الله تبارك وتعالى، لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ(٨)، فهذا يُطعِمُ عن كل يومٍ مسكيناً وليس عليه قضاء، قال تبارك وتعالى: وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدۡيَةٞ طَعَامُ مِسۡكِينٖۖ(٩)، وقد أخرج عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن أيوب قال: سمعت عكرمة يُحَدِّثُ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، [أنَّها ليست بمنسوخة، وكان يقرأها: (يُطَوَّقُونَهُ)، هي في الشيخ الذي كُلِّفَ الصيام ولا يطيقه، فيفطر ويطعم](١٠).

    هذا والله أعلم، نقف على هذا القدر، وصلى الله وسلَّمَ وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.


كتبه راجي عفو ربه القدير

أبو حمود هادي محجب


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) [آل عمران:١٠٢].

(٢) [النساء:١].

(٣) [الأحزاب:٧٠-٧١].

(٤) أخرجه البخاري في الحيض باب لا تقضي الحائض الصلاة، برقم (٣٢١). ومسلم في الحيض باب وجوب قضاء الصوم على الحائض

     دون الصلاة، برقم (٣٣٥).

(٥) أخرجه البخاري في الحيض باب ترك الحائض الصوم، برقم (٣٠٤). ومسلم في الحيض.

(٦) أخرجه أبو داود في أول كتاب الصيام باب اختيار الفطر، برقم (٢٣٩٦). والترمذي في الصيام.

(٧) تقدم تخريجه.

(٨) [البقرة:٢٨٦].

(٩) [البقرة:١٨٤].

(١٠) أخرجه عبد الرزاق في الصيام باب الشيخ الكبير، برقم (٧٧٠٧).





روابط هذه التدوينة قابلة للنسخ واللصق
URL
HTML
BBCode

0 التعليقات:

المقالات

   البلاغة العربية نشأتها وصلتها بعلوم الشريعة والعربية    همسة في صماخ الأستاذ علي حملي    إشباع النهم ببيان أقسام تعلق الكلم    الشيخ محمد أيوب رحمه الله سيرة وعطاء    التوحيد هو أعظم الأمور وأهمها    البيان والارتجال في الخطابة والوعظ والمقال    العلم الشرعي وأثره في حياة سلفنا الصالح    الأخوة الإيمانية عند حسام العدني    دولة فاحش والحرب على الإسلام بالوكالة وتفجيرات باريس


زوار المكتبة

Flag Counter

التصفح المباشر

مواقع سلفية

   مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية