مكتبة أبي حمود العلمية

Translate

شرح كتاب الصيام من عمدة الفقه لابن قدامة - الدرس الخامس . . .

بسم الله الرحمن الرحيم

    إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلَّ له، ومن يضلل فلا هادِيَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبد ورسوله؛ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّمَ تسليماً كثيراً.

    يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٠٢(١)، يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا ١(٢)، يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا ٧٠ يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا ٧١(٣)، أمَّا بعد:

    فإنَّ أصدقَ الحديث كتاب الله، وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار.

    وها نحن مع الدرس الخامس من سلسلة شرح كتاب الصيام من متن عمدة الفقه للإمام موفق الدين بن قدامة المقدسي رحمه الله، وكنا قد توقفنا عند قوله رحمه الله:

    [وإذا رأى الهلال وحده صام، فإن كان عدلاً صام الناس بقوله][١]ا.هـ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    [١] وهذا يُتَصَوَّرُ في حال ما إذا كانَ المسلم في دولة كافرة، فإنَّه في حال رأى الهلال لزمه الصيام لأنَّه دخل عليه شهر رمضان. وكذلك لو كان في بادية منقطعة عن الحضر صام برؤية الهلال وأفطر برؤيته.

    وإن كان في دولة مسلمة ولم تقبل شهادته لعدم عدالته لزمه الصوم مع جماعة المسلمين في بلده، حتى لا يكون فعله مدعاة للخروج على جماعة المسلمين وإمامهم، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه؛ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: [الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يومَ تُضَحُّون](٤).

    ويشترط في الشاهد بدخول الشهر أن يكون عدلاً معروف العدالة بين الناس، والعدل من تحققت فيه شروط العدالة؛ وهي:

    أولاً: أن يكون مسلماً، فلا تقبل شهادة الكافر والمنافق بدخول الشهر، كاليهودي أو النصراني أو المجوسي، أو الرافضي، أو الإسماعيلي، أو النصيري، أو الحوثي، أو الجارودي، أو البوذي، أو الهندوسي، وغيرهم من ملل ونحل الكفر والضلال.

    ثانياً: أن يكون عاقلاً، فلا تقبل شهادة المجنون.

    ثالثاً: أن يكون بالغاً، فلا تقبل شهادة الصبي، أو من كان دون الحلم.

    رابعاً: أن يكون مستقيماً، فلا تقبل شهادة المبتدع، أو الفاسق، ومن عرف عنه مقارفة المعاصي؛ كالزاني وشارب الخمر، أو المغني، أو الممثلُ والمهرِّج.

    خامساً: أن يكون سالماً من كل ما من شأنه أن يخرم في مروءته.

    ولا يشترط في العدل أن يكون خالياً من الذنوب لأنَّ هذا يستحيل أن يوجد في بني آدم، إلا من عصمهم الله وهم الأنبياء والرسل.


    ثمَّ قال رحمه الله:

    [ولا يُفطِرُ إلَّا بشهادة عدلين، ولا يفطِرُ إذا رآه وحده][٢]ا.هـ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    [٢] وعلى المسلمين ألَّا يفطروا إلَّا بشهادة عدلين اثنين، ولا يُفطر إذا رآه وحده لما سبق وبينا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    وقد يُغرب بعض الفقهاء بإلزام المسلم بالصيام حين يرى الهلال ولا يفطر إلَّا بشهادة عدلين ولو أكمل واحداً وثلاثين يوماً. وهذا خلاف الهدي النبوي وهو إمَّا الرؤية أو الإتمام، فمن أتَمَّ ثلاثين يوماً لزمه الإفطار سراً.

    فمن صام برؤيته هو أفطر برؤية عدلين فإن لم يتقدم العدلان أتَمَّ هو الشهر ثمَّ أفطر. فإن كان ممن تُرَدُّ شهادته لم يلزمه الصوم منفرداً إلا مع جماعة المسلمين صياماً وفطراً. أمَّا الزيادة على تمام الشهر فقولٌ ليس له ما يعضده وهو خلاف ما أرشدَ إليه النبي صلى الله عليه وسلَّم.

      وهل تقبل شهادة المرأة دخولاً وخروجاً؟!، فيه خلافٌ قويٌّ بين الفقهاء. ففي المذهب أنَّها تقبل، إجراءً لها مجرى الرواية لأنَّه خبرٌ ديني. وكذلك عند الحنفية وفرقوا بين حال الصحو وحال الغيم، ففي حال الغيم قالوا تكفي شهادة رجلين، أو رجلٍ وامرأتين، وفي حال الصحو لابد عندهم من الاستفاضة. وهو وجهٌ مرجوحٌ عند الشافعية.

    ومنع من قبولها المالكية، ووجهٌ أصحٌّ عند الشافعية.

    ورجح سماحة الشيخ العلاَّمة ابن بازٍ رحمه الله شهادة رجلٍ في الدخول ورجلين في الخروج، وابن عثيمين رحمه الله فرق في قبول شهادتها عند الدخول أنَّها تقبل، وعند نهايته أنَّها لا تُقبل، واستدلً بحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطَّاب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: [فإن شهد شاهدان؛ فصوموا وأفطروا](٥). وجاء عند المصنف - رحمه الله - في المغني قوله: [فإن كان المخبر امرأةً؛ فقياسُ المذهب قبول قولها](٦)ا.هـ

    ومثل هذا لا ينجرُّ على بقية العبادات في بقية الشهور، كما لو شهد شاهدٌ بدخول ذي الحجة ورُدَّت شهادته لعدم الكفاية في العدد، فلو وقف يوم التاسع عنده بعرفات لم يصح وقوفه، لأنَّ اجماع المسلمين انعقد على دخول الشهر في اليوم الذي يليه.

    فلابُدَّ من شهادة اثنين في دخول بقية الشهور وفي نهايتها. خلاف رمضان الذي يكفي فيه شهادة العدل الواحد بدخوله، واثنين في نهايته.

    هذا والله أعلم، نقف على هذا القدر. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


كتبه راجي عفو ربه القدير

أبو حمود هادي محجب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) [آل عمران:١٠٢].

(٢) [النساء:١].

(٣) [الأحزاب:٧٠-٧١].

(٤) أخرجه الترمذي في الصوم باب ما جاء الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون (٧١/٣) برقم (٦٩٧).

(٥) أخرجه أحمد والنسائي، وصححه الألباني في صحيح الجامع.

(٦) انظر المغني لابن قدامة رحمه الله (٤٨/٣).





روابط هذه التدوينة قابلة للنسخ واللصق
URL
HTML
BBCode

0 التعليقات:

المقالات

   البلاغة العربية نشأتها وصلتها بعلوم الشريعة والعربية    همسة في صماخ الأستاذ علي حملي    إشباع النهم ببيان أقسام تعلق الكلم    الشيخ محمد أيوب رحمه الله سيرة وعطاء    التوحيد هو أعظم الأمور وأهمها    البيان والارتجال في الخطابة والوعظ والمقال    العلم الشرعي وأثره في حياة سلفنا الصالح    الأخوة الإيمانية عند حسام العدني    دولة فاحش والحرب على الإسلام بالوكالة وتفجيرات باريس


زوار المكتبة

Flag Counter

التصفح المباشر

مواقع سلفية

   مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية