مكتبة أبي حمود العلمية

Translate

شرح كتاب الصيام من عمدة الفقه لابن قدامة - الدرس السادس . . .

بسم الله الرحمن الرحيم

    إنَّ الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادِيَ له، وأشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله؛ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّمَ تسليماً كثيراً.

    يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٠٢(١)، يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا ١(٢)، يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا ٧٠ يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا ٧١(٣)، أمَّا بعد:

    فإنَّ أصدقَ الحديث كتاب الله، وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار.

    وها نحن مع الدرس السادس من شرح كتاب الصيام من متن عمدة الفقه للإمام موفق الدين بن قدامة المقدسي رحمه الله، وكنا قد توقفنا عند قوله رحمه الله:

    [وإن صاموا بشهادة اثنين ثلاثين يوماً أفطروا، وإن كان بغيمٍ أو قول واحدٍ لم يفطروا، إلَّا أن يروه أو يكملوا العدة][١]ا.هـ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    [١] فإن دخل شهر رمضان على المسلمين بشهادة اثنين عدلين صاموا؛ فإن أتمُّوا ثلاثين يوماً أفطروا بعدها وإن لم يُرَ هلال شهر شوال. لأنَّ الفطر في حال شهادة عدلين اثنين لا يكون إلَّا بأحد أمرين؛ إمَّا إتمام عدة شهر رمضان ثلاثين يوماً، وإمَّا برؤية هلال شهر شوال.

    أمَّا في حال شهد شاهدٌ عدلٌ واحدٌ فقط بدخول شهر رمضان؛ فإنَّهم لا يفطرون إلَّا بأحد أمرين؛ إمَّا رؤية هلال شهر شوال بشهادة عدلين، وإمَّا إكمال عدة شهر رمضان ثلاثين يوماً، ثم يفطرون، ويُزاد على الثلاثين أبداً، لقول النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما والمخرَّج في الصحيحين وغيرهما: [إنَّا أمَّةٌ أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا، يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين](٤). وقد قال الله تبارك وتعالى: ۞يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَهِلَّةِۖ قُلۡ هِيَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلۡحَجِّۗ(٥).

    بمعنى أنَّ الله تبارك وتعالى جعلها مواقيت زمانية يحسب بها العبادة مواقيت دخول الأشهر ومواقيت خروجها ومواقيت عدتها.

    والمراد من الحديث أنَّ الغالب على أمة العرب أنَّهم كانوا أهل بادية وقليل منهم من يهتم لحساب منازل النجوم ومطالعها ومنازل القمر، كأهل الزراعة منهم، ولما جاء الإسلام بالعبادات الشرعية كصيام رمضان والحج، وقتها الله بمطالع الأهلة في شهور محددة، فاحتاج المسلمون بعد ذلك لمعرفة حسابها، حتى تتوحد فرائضهم على وقتٍ واحد.

    ولما اتسعت بلاد المسلمين وانتشر الإسلام في أقطار الأرض، وبلغ الإسلام الآفاق، احتاج المسلمون في كل قطرٍ لمعرفة مطالع الأهلة؛ كل بلدٍ حسب مطلع الهلال الخاص بهم. وهذا من رحمة الله تبارك وتعالى بعباده المسلمين.

    فلذلك على من أتَمَّ ثلاثين يوما في بلدٍ ألَّا يزيد على ذلك، بل يفطر سرّاً لهذا الحديث. والله أعلم.

    وأمَّا في حال غُمَّ عليهم بغيمٍ أو تقدم شاهدٌ واحدٌ فقط برؤية هلال شهر شوال لم يفطروا، والذي عليهم في هذه الحال تراءي الهلال، فإن لم يروه فعليهم إتمام عدة رمضان ثلاثين يوماً ولا يزاد على ذلك.


    ثمَّ قال رحمه الله:

    [وإذا اشتبهت الأشهر على الأسير تحرَّى وصام، فإن وافق الشهر أو ما بهده أجزأه، وإن وافق قبله لم يجزه][٢]ا.هـ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    [٢] والأسير المسلم الذي أسره الكفار في معركة ومضوا به إلى بلادهم ثمَّ اشتبهت عليه الأشهر؛ فإنَّه يبذل قصارى جهده في معرفة الأيام والأشهر ثم يصوم، ويكون بهذا قد بذل جهده وأعذر إلى ربه، لقوله تبارك وتعالى: فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ(٦).

    فإن وافق الشهر أو بعده صحَّ صيامه، وإن تبين له بعد ذلك أنَّه صام قبله أعاد، لأنَّه أدى الصيام قبل وقته، ولأنَّ رمضان لا يتكرر فلزمه الإعادة.

    هذا والله أعلم؛ نقف على هذا القدر، وصلى الله وسلَّمَ وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.


كتبه راجي عفو ربه القدير

أبو حمود هادي محجب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) [آل عمران:١٠٢].

(٢) [النساء:١].

(٣) [الأحزاب:٧٠-٧١].

(٤) أخرجه البخاري في الصوم باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لا نكتب ولا نحسب، برقم (١٩١٣).

(٥) [البقرة:١٨٩].

(٦) [التغابن:١٦].




روابط هذه التدوينة قابلة للنسخ واللصق
URL
HTML
BBCode

0 التعليقات:

المقالات

   البلاغة العربية نشأتها وصلتها بعلوم الشريعة والعربية    همسة في صماخ الأستاذ علي حملي    إشباع النهم ببيان أقسام تعلق الكلم    الشيخ محمد أيوب رحمه الله سيرة وعطاء    التوحيد هو أعظم الأمور وأهمها    البيان والارتجال في الخطابة والوعظ والمقال    العلم الشرعي وأثره في حياة سلفنا الصالح    الأخوة الإيمانية عند حسام العدني    دولة فاحش والحرب على الإسلام بالوكالة وتفجيرات باريس


زوار المكتبة

Flag Counter

التصفح المباشر

مواقع سلفية

   مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية